قبل ظهور جوجل ومنافسيه.. تعرف على الرجل الأول الذي جمع ثروته المالية من خلال بيع البيانات!

هنالك مقولة شهيرة انتشرت بشكل كبير وهي “إذا كنت تمتلك الكثير من البيانات، فأنت بالفعل تمتلك منجمًا من الذهب” وهذا وحده يخبرك بمدى أهمية “البيانات Data” في عصرنا الحالي حتى أصبح يُطلق عليها إسم “النفط الجديد”.

والدليل على ذلك أنظر إلى أكبر خمس شركات تقنية موجودة الآن – أمازون وألفابيت وعلى بابا وفيسبوك وتينسيت – كل هذه الشركات التي تقود المشهد التقني الآن وأصبحت على ماهي عليه من تأثير وإيرادات مالية ضخمة كانت ومازالت “رأس مالها” ونموذج عملها يعتمد بشكل أساسي ورئيسي على النفط الجديد آلا وهي: البيانات Data.

ربما يجادل البعض بأن هذا القياس أو التشبيه ليس مثاليًا ويجافي المنطق حيث يمكن استخدام البيانات عدة مرات، بينما النفط يتم إستخدامها مرة واحدة فقط لكن بنظرة أخرى تعتبر البيانات شبيهة بالنفط في أن المواد الخام غير المكررة ليست مفيدة لأي شخص حيث يتحتم عليك معالجتها للحصول على شيء ذي قيمة وكذلك الأمر بالنسبة للنفط ففي البداية علينا تكريره للحصول على الديزل/البنزين ثم استخدامه في محركات السيارات.

وكذلك الأمر بالنسبة للبيانات لاستخدامها نحتاج إلى تحليلها في البداية للحصول على معلومات تفيدنا في اتخاذ القرارات المختلفة، مثل ما فعلت فيسبوك قبل استحواذها على تطبيق واتساب للتراسل الإجتماعي حيث استندت على قرار الاستحواذ على التطبيق بعد تحليل البيانات التي وفرها التطبيق الشهير Onavo الذي أرسل رسالة إلى لفيسبوك بأن الاستحواذ على تطبيق التراسل الاجتماعي هو قرار لابد منه يمكنك قراءة القصة الكاملة عبر هذا المقال: آبل تشتبك مع فيسبوك وجوجل.. إليك كل ما تريد معرفته عن هذا الأمر!

ومثال آخر تخيل أنه طُلب منك اتخاذ قرار واحد فقط من بين العديد من القرارات بناءًا على المعطيات التالية:

لديك شخص ما يشاهد فيديو على موقع يوتيوب والذي تديره جوجل والذي تملكه شركة ألفابيت. ما الذي يجب أن تقترحه عليه ليشاهده بعد انتهائه من هذا الفيديو؟ يدويًا سيكون الأمر شبه مستحيل حتى وإن كنت تملك كل البيانات التي تحتاجها، وستدخل في لعب احتمالات لا نهائية، وكما ترى أنه من الواضح أن الاعتماد على البشر في معالجة البيانات سيكون غير فعال بشكل مستحيل، فهذه النماذج التجارية تحتاج إلى آلات وفي اقتصاد البيانات، لا تأتي الطاقة من البيانات وحدها ولكن من تفاعل البيانات والخوارزمية معًا.

إحصاء تقليدي للسكان ولكن!

بشكل تقليدي ومنتظم كانت وما زالت الولايات المتحدة تجري إحصاء سكاني كل 10 سنوات، ولم يكن هذا شيئًا جديدًا، فقد أرادت حكومة الولايات المتحدة وبنص موجود في دستورها معرفة من الذي يعيش وماذا يملك للمساعدة في إقرار قوانين الضرائب وإيجاد المجندين بالإضافة إلى توزيع الدوائر الانتخابية.

ولكن إذا كنت سترسل جيشًا صغيرًا من العدادين في جميع أنحاء البلاد، فمن الضروري أن يسألوا عن مجموعة واسعة من الأشياء، مثل ما هي الوظائف التي يشغلها الناس؟ أي أمراض أو إعاقات؟ ما اللغات التي يتحدثون بها؟ ومع إحصاء عام 1880 كان القائمين على التعداد السكاني في أمريكا قد تحصلوا على بيانات أكثر مما يمكنهم هضمه.

لقد كان التعداد يتوسع حتى شمل المكتبات ودور رعاية المسنين وإحصاءات الجريمة والعديد من الموضوعات الأخرى، وفي عام 1870، كان للتعداد السكاني خمسة أنواع مختلفة من استمارات الاستبيان ولكن في عام 1880 ارتفع عدد استمارات الاستبيانات جتى وصلت إلى أكثر من 200 ورقة حافلة بالبيانات المختلفة وفي انتظار معالجتها واستخلاص المعلومات منها وسرعان ما اكتشف المسؤولين أنه من الواضح أن الحصول على هذه المعلومات سيستغرق سنوات عديدة لأنهم بالكاد سيكونون قد انتهوا من هذا الإحصاء ثم يحين وقت التعداد التالي.

عندما يكون هنالك مشكلة فابحث عن المستفيدين

لا يخفى عليك عزيزي القارئ أن أغلب أو معظم التطبيقات والأدوات التقنية التي تستخدمها اليوم ظهرت للوجود نتيجة مشكلة ما وبالتالي لحل المشكلة أو المشكلات نرى المزيد من التطبيقات والمنتجات بشكل دوري.

وفيما يخص التعداد السكاني الأمريكي، كانت الحكومة تبحث بشكل جاد عن شخص ما يمكنه تسريع هذه العملية، وهنا ظهر المخترع الألماني من أصل أمريكي هيرمان هوليريث Herman Hollerith الذي قرر السعي للحصول على ثروته المالية الخاصة من خلال تحليل البيانات وتوفيرها على شكل معلومات من خلال الآلة التي اخترعها والتي أطلق عليها اسم “Tabulating Machine” وقد كان أول شخص في التاريخ يجمع ثروة مالية ضخمة من بيع “البيانات Data”.

من هو هيرمان هوليريث وما هي الآلة التي اخترعها والتي أصبحت أول آلة الكتروميكانيكية لتحليل البيانات في العالم؟

ولد هيرمان هوليريث Herman Hollerith لمهاجرَين ألمانيين في 29 فبراير 1860 في مدينة نيويورك الأمريكية بدأ تعليمه الجامعي في كلية سيتي أوف نيويورك في سن 15، وتخرج من مدرسة كولومبيا بامتياز في عام 1879. كطالب هندسة كان عليه دراسة مواد الكيمياء والفيزياء والهندسة وكذلك دورات في المسح والرسومات والمسح والمعايرة وكان مطلوبًا منه أيضًا زيارة المصانع المحلية مثل متاجر المعادن ورؤية الآلات من أجل فهم كيفية عملها وهذا ما ساعده لاحقًا في اختراعه الثوري الذي غير مفهوم معالجة البيانات للأبد.

بعد التخرج بفترة قصيرة حصل هوليريث على وظيفة في مكتب الإحصاء الأمريكي كمساعد وكانت وظيفته كإحصائي يتطلب منه جمع المعلومات عن الشركات والمصانع المختلفة، ونتيجة للمهام التي كان يضطلع بها كتب تقرير في عام 1888 لمكتب الإحصاء حول الطاقة والآلات المستخدمة في الصناعة. كاشفًا فيه مشاكل التعامل مع كميات كبيرة من البيانات باليد. ومرفقًا معه نموذج عملي حول تعداد عام 1880 الذي استغرق سبع سنوات ونصف لاستكماله. بسبب الأعداد الكبيرة من الأشخاص الذين يهاجرون إلى الولايات المتحدة، وتوقع أن تستغرق تعدادات 1890 و 1900 وقتًا أطول بكثير.

وكان هوليريث قد بدأ بالفعل في إختراع جهاز لمعالجة البيانات بسرعة أكبر من قدرة البشر على إدارتها، وقد صمّم الآلة ولكنه احتاج إلى المال لاختبارها وقد كان الجهاز يشبه آلة البيانو الموسيقية، ولكن بدلاً من المفاتيح، كان يحتوي على فتحة لبطاقات بحجم الفواتير، مع وجود ثقوب فيها.

هيرمان هوليريث جالسًا أمام اختراعه الثوري

اختبر هيرمان آلته المستوحاة من الموصلات التي تستخدم ثقوبًا في مواقع مختلفة على تذاكر قطارات سكة الحديد لتسجيل تفاصيل المسافرين مثل الجنس والعمر التقريبي، ويتم تسجيل البيانات على وسيلة يمكن قراءتها آليًا، وبعد بعض التجارب الأولية مع الشريط الورقي، استقر على بطاقات مثقوبة، كما استخدم في جهازه لفات لولبية كهروميكانيكية لزيادة العدادات الميكانيكية. يمكنك معرفة وفهم آلية عمل الجهاز من خلال الفيديو

في عام 1884، حصل هيرمان على أول براءة اختراع لجهازه وقرّر اختبار مزايا الجهاز الجديد وعلى الرغم من بعض المشاكل، كان الاختبار الذي أجراه في مكتب إحصائيات الوفيات بمدينة بالتيمور ناجحًا بدرجة كافية بحيث استخدمته نيوجيرسي ونيويورك لأغراض مماثلة.

كان أول مستخدمي آلة هوليريث البحرية الأمريكية في عام 1885 ممّا أعطاه مكانة إضافية وبعض المال لإجراء العديد من التحسينات ومع عدم اكتمال إحصاء 1880 بحلول العام 1885 شعر هوليريث أن آلته بإمكانها المساعدة في تسريع إحصاء عام 1890.

كان مكتب الإحصاء قلقًا من احتمال احتساب تعدادين في نفس الوقت، ونظرًا لطول المدة التي استغرقها حسابهم عقد المكتب مسابقة أثبتت أن آلة هوليريث أسرع بكثير من أي من منافسيها وبحلول وقت تعداد عام 1890 كان هوليريث قد أدخل المزيد من التحسينات ومقارنةً بالنظام القديم أثبتت آلة هوليريث أنها أسرع وأرخص بكثير وانتهى إحصاء عام 1890 في ستة أسابيع فقط، وتم الانتهاء من التعداد خلال عامين ونصف العام بدلاً من سبع سنوات ونصف المطلوبة للعام الساب. وقد أنقذ هوليريث وآلاته خمسة ملايين دولار من النفقات.

والأهم من ذلك، أنها جعلت من تحليل واستخلاص البيانات عملية سهلة للغاية، على سبيل المثال إذا أردت بيانات أشخاص تتراوح أعمارهم بين 40 و 45 عامًا، ومتزوجي. فليس هنالك حاجة للتفتيش في أطنان من الأوراق فقط قم بإعداد الجهاز وتشغيل البطاقات للوصول للنتيجة.

شركة IBM كما نعرفها اليوم

بحلول عام 1891، كانت آلات هوليريث تُستخدم لجمع بيانات التعداد السكاني في دول كندا والنمسا والنرويج وبين عامي 1890 و 1900، وسع الاستخدامات التجارية لهذه الآلة لتشمل إحصاءات الشحن بالسكك الحديدية وجمع البيانات الزراعية.

أنشأ هوليريث شركته Tabulating Machine Company في عام 1896 وقام بصناعة الآلات لمختلف المصانع وهذا جلب له ثروة ضخمة استخدمها في تطوير آلياته وإيجاد أسواقًا جديدة لها مثل متاجر السكك الحديدية وشركات الغاز والكهرباء.

وفي عام 1911 اندمجت شركته مع شركات أخرى لتصبح Computing-Tabulating-Recording Company. وبقي هوليريث في الشركة المدمجة كمهندس استشاري حتى تقاعده في عام 1921 وفي عام 1924 شكلت اختراعاته نقطة البداية لميلاد شركة International Business Machines والمعروفة إختصارًا (IBM). والتي كانت الآلة التي طورها هوليريث السبب الرئيسي لنجاحها لاحقًا.

علينا جميعنا شكر هيرمان هوليريث الذي يُعتبر واحدًا من أهم الشخصيات المؤثرة تاريخياً في ظهور وتطور علم “معالجة البيانات”. و أول شخص يجمع ثروة مالية فعلية من خلال بيع “البيانات Data”، واختراعه “لالة الجدولة Tabulating Machine” هو أول خطوة في ظهور صناعة مستقبلية ضخمة تُسمى “صناعة أجهزة معالجة البيانات اوتوماتيكيًا” أو “الكمبيوترات Computers” كما نعرفها الآن.

قبل ظهور جوجل ومنافسيه.. تعرف على الرجل الأول الذي جمع ثروته المالية من خلال بيع البيانات! بواسطة أراجيك - نثري المحتوى العربي



source https://www.arageek.com/tech/herman-hollerith-tabulating-machine

ليست هناك تعليقات